السيد محمد الصدر
136
ما وراء الفقه
فإذا وصلنا إلى هذه المرحلة من التفكير عرفنا بوضوح - في حدود ما نتكلم عنه أصلا وهو العقوبات : أننا لا يعقل أن نجد التصريح بالعقوبة بإطلاق النار أو الدهس في سيارة أو الإلقاء من الطائرة مثلا . وإنما استعمل الإسلام كل ما كان متوفرا في أول عهده من أساليب ، وجدها مطابقة للحكمة والمصلحة ، كاستعمال السيف والسوط والحجارة والنار ، ونحو ذلك كما أنه لم يستعمل أساليب أخرى كانت متوفرة كالقتل بالرمح أو الدهس تحت أرجل الحيوانات . إذن ، فالإستشكال على عقوبات الإسلام بأنها ذات منحى قديم صحيح عمليا ، إلَّا أن الإسلام والقادة الإسلاميين معذورون في ذلك ، لأنهم إن أرادوا في ذلك الحين تطوير هذا الاتجاه ، إذن سوف يواجهون بالفشل الذريع ، لأنه يكون على خلاف قانون التفهيم الذي ذكرناه ، ومن ثم سوف لن يكون مفهوما للناس ولا يمكن تطبيقه في المجتمع بأي حال . كما أن علماء الإسلام خلال الأجيال ، أيا كانوا ، أيضا معذورون في الأخذ بهذا الاتجاه إلى العصر الحاضر ، بل إلى المستقبل القريب والبعيد ، لأن أحكام الإسلام توقيفية ولا يمكن تغييرها أو التصرف بمضامينها ، وإلا كانت بدعة ، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار . وهذا معناه : أننا إذا أمرنا دينيا أن نعاقب بالضرب بالسيف أو الجلد بالسوط تعين علينا ذلك ولا نستطيع أن نخالفه إلى غيره . كما أننا إذا أمرنا دينيا أن نحكم طبقا للبينات والأيمان ، دون الكلاب البوليسية ، مثلا ، تعين ذلك أيضا ، وإلَّا كنا قد خرجنا عن ربقة الإسلام ، لأن كل ذلك أحكام توقيفية لا مجال لتغييرها ، نعم يمكن التغيير في بعض المصاريف : كما لو كان الواجب قتل المعتدي بدون تعيين الأسلوب ، أمكن قتله بإطلاق النار عليه ، وإن لم يكن ذلك معروفا في صدر الإسلام ، وكما لو وجب إلقاء المجرم من شاهق أمكن إلقاءه من طائرة أو من ناطحات سحاب ، وإن لم يكن ذلك متعارفا سابقا ، كما أن الرجم